الفيض الكاشاني

334

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

فلا تبغ » ( 1 ) أي إن وجدت في قلبك شيئا فلا تعمل به وبعيد أن يكون الإنسان مريد اللَّحاق بأخيه في النعمة فيعجز عنها ، ثمّ ينفكّ عن ميل إلى زوال النعمة إذ يجد لا محالة ترجيحا له على دوامها فهذا الحدّ من المنافسة يتآخم الحسد بحرام فينبغي أن يحتاط فيه فإنّه موضع الخطر وما من إنسان إلا وهو يرى فوق نفسه من معارفه وأقاربه من يحبّ أن يساويه ويكاد ينجرّ ذلك إلى الحسد المحظور إن لم يكن قويّ الإيمان وزين التقوى ، ومهما كان محرّكه خوف التفاوت وظهور نقصانه عن غيره يجرّه ذلك إلى الحسد المذموم وإلى ميل الطبع إلى زوال النعمة عن أخيه حتّى ينزل هو إلى مساواته إذ لم يقدر هو أن يرتقي إلى مساواته بإدراك النعمة وذلك لا رخصة فيه أصلا ، بل هو حرام سواء كان في مقاصد الدّين أو مقاصد الدّنيا ولكن يعفى عنه في ذلك ما لم يعمل به إن شاء اللَّه ، وتكون كراهته لذلك من نفسه كفّارة له ، فهذه حقيقة الحسد وأحكامه . أمّا مراتبه فأربع : الأولى أن يحبّ زوال النعمة عنه وإن كانت لا تنتقل إليه ، وهذا غاية الخبث ، الثانية أن يحبّ زوال النعمة عنه [ إليه ] لرغبته في تلك النعمة مثل رغبته في دار حسنة أو امرأة جميلة أو ولاية نافذة واسعة نالها غيره وهو يحبّ أن تكون له ومطلوبه تلك النعمة لا زوالها عنه ومكروهه فقد النعمة لا تنعّم غيره بها ، الثالثة أن لا يشتهي عينها بل يشتهي لنفسه مثلها ، فإن عجز عن مثلها أحبّ زوالها عنه كيلا يظهر التفاوت بينهما ، الرابعة أن يشتهي لنفسه مثلها فإن لم يحصل فلا يحبّ زوالها عنه وهذا الأخير هو المعفوّ عنه إن كان في الدّنيا والمندوب إليه إن كان في الدّين ، والثالثة فيها مذموم وغير مذموم ، والثانية أخفّ من الثالثة ، والأولى مذموم محض ، وتسمية الثانية حسدا فيه تجوّز وتوسّع ولكنّه مذموم ، قال اللَّه تعالى : « ولا تتمنّوا ما فضّل اللَّه به بعضكم على بعض » ( 2 ) فتمنّيه لمثل

--> ( 1 ) أخرجه الطبراني وفيه إسماعيل بن قيس الأنصاري وهو ضعيف كما في مجمع الزوائد ج 8 ص 78 . ( 2 ) النساء : 32 .